المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف فلسفة

وهم الأصل: حين سرقوا التاريخ وباعوه لنا درساً في المدرسة

صورة
كان الفصل الدراسي يغرق في صمت ثقيل حين رفع الطالب يده. لم يسأل عن معادلة ولا عن تاريخ معركة. سأل سؤالاً واحداً بسيطاً جعل الأستاذ يتوقف: "لماذا ندرس اليونان دائماً؟ ألم تكن هناك حضارات أخرى قبلها وبعدها؟" أجاب الأستاذ بالطريقة المعتادة، بالطريقة التي تعلّمها هو بدوره من أستاذ آخر، تعلّمها من كتاب، كُتب الكتاب من منهج، صِيغ المنهج في جامعة، أسستها إمبراطورية كانت تحتاج إلى رواية. قال: لأن اليونان هي أصل الحضارة. وجلس الطالب. لكنه لم يقتنع. هذا المقال مهدى إلى ذلك الطالب. وإلى كل طالب في داخلك لم يقتنع يوماً بالإجابة الجاهزة. الجرح الذي لا يُرى ثمة جروح لا تنزف دماً. تنزف معرفة. حين يُزرع في عقل طفل صغير أن الحضارة الإنسانية بدأت في مكان واحد، وانتهت في مكان آخر، وأن ما بينهما ليس سوى هامش، فإن هذا الطفل ينشأ بعقل مشكّل بدقة، لكن بشكل ناقص. ينشأ يحمل خريطة للعالم تخلو من قارات بأكملها. لا أحد يخبره بذلك. لأن من علّمه لا يعرف هو الآخر. هذه هي مشكلة التحيز التاريخي: أنه لا يتقدم إليك معلناً عن نفسه. يأتيك هادئاً في ثياب الحقيقة، محمولاً في كتاب مدرسي، منطوقاً بلسان أستاذ موثوق، م...

مدخل إلى عالم الفلسفة: رحلة الحكمة عبر العصور والأسئلة الكبرى

صورة
  أيها السالك في متاهات الروح والعقل، أيها المتطلع إلى ما وراء الظاهر،  الفلسفة ليست كتاباً تُقرأ صفحاته ثم تُغلق، ولا علماً يُحفظ في الذاكرة كالأرقام والتواريخ. إنها نارٌ توقد في أعماق الروح، نارٌ لا تحرق إلا الوهم والغفلة، وتُضيء ما كان مستوراً في ظلمات الاعتياد والتقليد. هي بوصلةٌ دقيقة في بحر الوجود الهائج، حيث تتقاذف الأمواجُ السفنَ بين اليقين الزائف والشك الخصب، ولا تهدأ إلا عندما يجد الإنسان مرفأً لسؤاله الأعمق: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين يمضي كلُّ هذا؟ الفلسفة، في أصلها اليوناني الخالد، هي "فيلو-سوفيا"، حبُّ الحكمة. ليست الحكمةُ علماً مكتسباً بالوراثة أو بالتكرار، بل هي محبوبةٌ بعيدةٌ، جميلةٌ لا تُدرك بالكلِّ مرةً واحدة. فكأن الفيلسوف عاشقٌ لا يشبع من جمالها، يطارد خطاها في كلِّ درب، يقترب منها فتبتعد، يلمس طرفاً من ثوبها فتُظهر له وجهاً جديداً، فيزداد شوقاً ولا يملّ. هو لا يطلب إجابات جاهزة كما يطلب التاجرُ الربحَ السريع، بل يريد أن يعيش في حضرة السؤال نفسه، يتنفس هواءه، يتذوّق مرارته وحلاوته، حتى يصبح السؤالُ جزءاً من كيانه. قال سقراط – ذلك الذي لم يكت...